الغرور بالنفس
Self-Deception
أَشَدُّ النَّاسِ غُرُورًا هُوَ الَّذِي يَنْخَدِعُ بِهَذِهِ الدُّنْيَا، فَيُؤْثِرُهَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَيَطْلُبُ لَذَّةَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ لَذَّةِ الْآخِرَةِ، قَائِلًا: لَذَّةُ الدُّنْيَا مُحَقَّقَةٌ، أَمَّا لَذَّةُ الْآخِرَةِ فَغَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، فَلَنْ أَتْرُكَ الْمَضْمُونَ وَأَرْجُو الْمَشْكُوكَ فِيهِ. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ خِدَاعِ الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ. حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ أَعْقَلُ مِنْ أُولَئِكَ الْمَخْدُوعِينَ؛ فَالْحَيَوَانُ لَا يُقْدِمُ عَلَى سَبِيلٍ يَضُرُّ بِحَيَاتِهِ أَوْ يُهْلِكُهَا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يَتْرُكُوا الْمَضْمُونَ مِنْ أَجْلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ (كَمَا يَزْعُمُونَ) إِمَّا أَنَّهُمْ يَشُكُّونَ فِي وَعْدِ اللهِ ~ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ مُتَيَقِّنُونَ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كُنْتَ مُتَيَقِّنًا مِنْهُ، فَأَنْتَ مِمَّنْ لَا يُعْطِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةَ كَثِيرَ اهْتِمَامٍ، بَلْ يُؤْثِرُ التَّعَلُّقَ بِعَالَمٍ أَكْثَرَ يَقِينًا وَأَبَدِيَّةً. أَمَّا إِنْ كَانَ عِنْدَكَ شَكٌّ، فَعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَ آيَاتِ الْوَحْيِ (فِي الْقُرْآنِ) الَّتِي تُثْبِتُ وُجُودَهُ وَقُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَوَحْدَانِيَّتَهُ. وَالْآيَاتُ تُقَدِّمُ لَكَ أَيْضًا الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ رُسُلِ اللهِ، فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْهُ ~. ابْحَثْ عَنِ الْحَقِّ بِإِنْصَافٍ تَجِدْ أَنَّ الرِّسَالَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرُّسُلُ عَنِ اللهِ ~ هِيَ بِلَا رَيْبٍ الْحَقُّ، وَأَنَّ خَالِقَ هَذَا الْعَالَمِ وَرَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُنَزَّهٌ عَنْ خَلْقِهِ. وَالنِّظَامُ الشَّامِلُ الَّذِي تَخْضَعُ لَهُ كُلُّ الْأَشْيَاءِ هُوَ سَبِيلُ اللهِ ~، الْمَلِكِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فَمَنْ لَمْ يَنْسُبْ هَذِهِ السِّيَادَةَ إِلَى اللهِ ~ فَقَدْ جَحَدَ اللهَ ~ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ. عندما يتأمل الإنسان في حاله، وهو الذي بدأ خلقه نطفةً ثم صار على هيئة كاملة وتقدير متناسب، يتبين له أن الذي عنايته به على هذا النحو، وحمله له عبر هذه الأطوار، لن يهمله أو يتركه سدى دون أن يترك له أوامر ونواهي، ومعرفة بالحقوق، ووعود بالثواب، وتحذيرات من العقاب. وإذا تدبّر الإنسان هذا الموضوع تدبرًا تامًا، فإن كل ما يشاهده، وكذلك ما لا يستطيع مشاهدته، سيتبين له أنه دليل على التوحيد (وحدانية الله رب هذا العالم)، وعلى نبوة محمد ﷺ، وعلى الآخرة، وعلى أن القرآن كلام الله. وقد ذكرنا الدليل على ذلك في كتاب «الأقسام في القرآن»، قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: 38-40]، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]، إذ إن وجود الإنسان نفسه دليل ﷺ على ذلك.