عقوبات الذنوب ٢
The Punishments for Sins 2
إن المعاصي تطفئ نور الغيرة في القلب. والغيرة من حياة الإنسان بمنزلة الحرارة الغريزية من سائر البدن؛ فهي تُزيل كل مظاهر الخبث وصفات السوء من شخصية الإنسان. وأكرم الناس أشدُّهم غيرةً على أنفسهم وأهليهم وغيرهم. وكان النبي ﷺ أشدَّ الناس غيرةً على الأمة، والله أشدُّ غيرةً منه ﷺ، كما ثبت في الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغْير من سعد، والله أغْير مني». ١ وقال النبي ﷺ أيضًا في خطبة الكسوف: «يا أمة محمد! والله ما أحد أغْيَر من الله أن يزني عبده أو تزني أمته». ٢ وقال ﷺ كذلك: «ليس أحدٌ أغْير من الله، ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحةُ من الله، ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين». ٣ فجمع ﷺ في هذا الحديث بين الغيرة، وأساسها كراهية كل ما هو قبيح، وبين حبِّ العذر والمغفرة، وذلك يدل على كمال العدل والرحمة. فينبغي للناس أن يستغفروا الله ﷻ، وهو أشدُّ الناس غيرةً، فإنه يغفر لمن تاب إليه. ولم يؤاخذ الله ﷻ عباده بذنوبهم حتى أعطاهم فرصةً لطلب مغفرته؛ ولهذا أرسل رسلَه وأنزل وحيَه إنذارًا وتبشيرًا، وفي ذلك غايةُ الجلال والكمال. ومِنَ الناسِ مَن يُسرِعُ إلى معاقبةِ غيرِه، إذا اشتدَّت غَيرتُه، دونَ أن يُتيحَ لهم أن يُقدّموا أيَّ عُذرٍ. فغَيرتُهم المفرِطةُ لا تَدَعُهم يقبلون أيَّ عُذرٍ. وعلى العكسِ، هناك آخرون يَقبلون كلَّ عُذرٍ، لأنّ غَيرتَهم ضعيفةٌ. قال النبيُّ ﷺ: «إنّ مِنَ الغَيرةِ ما يُحبُّهُ اللهُ، ومِنها ما يُبغِضُهُ اللهُ؛ فأمّا الغَيرةُ التي يُحبُّها اللهُ فالغَيرةُ في الرِّيبةِ، وأمّا التي يُبغِضُها اللهُ فالغَيرةُ في غيرِ الرِّيبةِ». [4] والمستحَبُّ أن تُجمَعَ الغَيرةُ مع قبولِ العُذرِ؛ فيُظهِرُ المرءُ غَيرتَه في موضعِها، ويقبلُ الأعذارَ في موضعِ الأعذارِ. واللهُ ﷻ له الصفاتُ الكاملةُ، فهو المستحِقُّ للحمدِ كلِّه حقًّا، ولا ينبغي لأحدٍ أن يُثنيَ بأخلاقِه إلا بالكيفيةِ التي أثنى بها اللهُ ﷻ على نفسِه. والذي يتّصفُ بغَيرةٍ حسنةٍ يكونُ موافقًا لأحدِ صفاتِ اللهِ، وهذا يُقرّبُه من رحمةِ اللهِ، ويجعلُه أحبَّ إلى اللهِ ﷻ، الذي هو الرحيمُ يحبُّ الرحماءَ من عبادِه، والكريمُ يحبُّ الكرماءَ من عبادِه، والعليمُ يحبُّ العلماءَ من عبادِه، والقويُّ يحبُّ المؤمنَ القويَّ أكثرَ من المؤمنِ الضعيفِ. وإنّ الذنوبَ وكلَّ الأفعالِ السيّئةِ تحولُ بين الإنسانِ وبين التحلّي بهذه الصفاتِ؛ فالخاطرةُ الصغيرةُ تتحوّلُ إلى وَسوسةٍ شيطانيةٍ، والوسوسةُ تتحوّلُ إلى إرادةٍ، والإرادةُ تصيرُ عزيمةً قويةً فتصيرُ فعلًا. ثم يصيرُ الفعلُ المعصيةُ عادةً راسخةً في حياةِ العاصي، ويصعُبُ بعدها الإقلاعُ عنه. وكلما تعلّق العاصي بأفعالِه السيّئةِ تعلّقًا شديدًا، ضعفت غَيرتُه على نفسِه وأهلِه وسائرِ الناسِ، حتى لا يعودَ يرى القبحَ في أفعالِه، وهذه هي المرحلةُ الأخيرةُ من هلاكِه. في الحقيقة، كثيرٌ من هؤلاء الناس يشجّعون غيرهم على فعل الشيء نفسه، ولهذا كان الديوث أبغضَ خلق الله، ولهذا حُرّمت عليه الجنة. وهذا يدل على أن الغيرة أساسٌ من أسس الدين، ومن لا غيرة له فلا دين له. والغيرة تحفظ القلب والجوارح، وتسدّ جميع أبواب المعاصي. والغيرة في القلب كقوة المناعة التي تقاوم كل مرضٍ يطرأ عليه.