أنواع المحبة ٢
Types of love 2
الحُبّ أو التعلّق اسمٌ يشمل أنواعًا كثيرة تختلف في درجتها وصفتها. والنوع الذي يُذكر أكثر ما يُذكر في حق الله ﷻ هو الذي لا يليق إلا بمقام الله وحده، كالعبادة والتعبّد له وحده. ويمكن أن يُذكر لفظ الحُبّ في سياقه العام، كما في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. [البقرة: 165] وأسوأ الحُبّ، وهو محرَّم تحريمًا قاطعًا في الإسلام، أن يُسوّى بين الله وغيره في المحبة، أما أعظم أنواع الحُبّ فهو أن يُحبّ العبدُ اللهَ وحده، وأن يُحبّ ما يحبّه الله ﷻ. وهذا أساس السعادة في الدنيا والآخرة، وهو ما يُنجي صاحبه من كل عذاب. وأما الحُبّ المحرَّم، وهو نوع من الشرك، فهو أساس الشقاء في الدنيا والآخرة. والذين يحبّون الله ﷻ ويعبدونه وحده لا يدخلون النار، وإن دخلوها بسبب بعض الذنوب فلا يبقى فيها أحدٌ منهم. والقرآن الكريم يدور حول هذا الأمر بالمحبة وما تقتضيه من واجبات، وحول النهي عن النوع الآخر وما يستلزمه. ويضرب الأمثلة ويذكر القصص عن النوعين، مع بيان أحوال أهلهما، كما يبيّن شروط النوعين في العوالم الثلاثة: حال الدنيا، وحال القبر، وحال الآخرة. وأساس رسالة جميع الأنبياء ﵈ هو عبادة الله ﷻ وحده لا شريك له، عبادةً تتضمّن كمال المحبة والخضوع والذلّ والحمد والتعظيم له ﷿، مع الطاعة والخوف بوصفهما شرطين لازمين. وروى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». 3 عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إليَّ من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر. 4 فإذا كان هذا هو الحال في محبة النبي ﷺ، ووجوب تقديم محبته على محبة الولد والوالد وجميع الناس، فما بال المحبة الواجبة لمن أرسل محمداً ﷺ رسولاً منه؟
Love or attachment is a name, of which there are many types differing in their degree and description. The type most mentioned, with regards to Allah ~ ' is the one which is only suitable for Allah's Status (and not to anyone or anything else), such as worship and devotion to Him, Alone. The term love can be mentioned in its general context, as in the Verses: ( Allah will bring people, whom He wills, and they will love Him. ) 1 (And of mankind are some who take (for worship) others besides Allah, as rivals. They love them (as much) as they love Allah. ) 2 The worst love, which is categorically prohibited in Islam, is to have an equal love for others besides Allah; while the greatest type of love is to love Allah, Alone, and to love whatever He ~ loves. This is the basis of happiness in this world and the Hereafter, which saves one from any punishment. The prohibited love, which is a type of polytheism, is the basis of torment in this world and the Hereafter. Those who love Allah ~ and worship Him, Alone, do not enter the Hell-Fire, and if they ever enter it because of some sins, none of them would stay in it. The Qur' an is centred on this commandment of love and its obligations, and on the prohibition of the other type and its requirements. It gives examples and stories of both types, with details of their devotees. It also gives the conditions of both types in the three worlds: the condition in this world, the condition in the grave, and the condition in the Hereafter. The basis of the Message of all the prophets ~1 is to worship Allah ~ ' Alone, without partners ; such a worship which comprises the perfection of love, submission, humiliation, praise and glorification to Him £ , along with obedience and fear as necessary prerequisites. Anas bin Malik ~ reported that the Prophet ~ said: "By Him in Whose Hand my soul is , none of you will not have complete faith, till I am dearer to him than his son, his father and all people." 3 Abdullah bin Hisham ~ said: "We were with the Prophet while he was holding the hand of 'Umar bin Al-Khattab. 'Umar said to Him: ' O Messenger of Allah! You are dearer to me than everything except my own self.' The Prophet ~ said: ' No, by Him in Whose Hand my soul is , you will not have complete faith, till I am dearer to you than your own self.' Then 'Umar said to him: 'However, now, by Allah, you are dearer to me than my own self.' The Prophet ~ said: ' Now, 0 ' Umar, (you are a believer). " '4 If this is the case for loving the Prophet ~ and the obligation to place his love before that for one's child, father and all people , then what about the love due to the One Who sent Muhammad ~ as His Messenger?
الحُبُّ يَقِفُ وَرَاءَ كُلِّ عَزِيمَةٍ وَعَمَلٍ
Love stands behind every determination and action
الحبّ يبقى أساسَ كلّ عمل وعلّتَه الفاعلة. والأعمال ثلاثة أنواع: عملٌ اختياريّ، وعملٌ طبيعيّ، وعملٌ قسريّ. وأساسُ العمل الطبيعيّ حالةُ التوازن الساكن، إذ لا يتحرّك الجسمُ إلّا إذا خرج من حالته الطبيعيّة من التوازن، ويعود إلى هذه الحالة إذا انتهى العمل. أمّا العمل الاختياريّ، الذي يعتمد على قوّة الإرادة، فهو أساسُ الأنواع الأخرى من الأعمال، لأنّه يتعلّق بقوّة الإرادة والحبّ. وأفضلُ مثالٍ على هذا المفهوم الأعمالُ في السماوات وفي الأرض، مثل حركات المجرّات والنجوم والرياح والسحب والمطر والنبات والأجنّة في أرحامها؛ فهي كلّها تُنفَّذ بواسطة الملائكة الموكّلين الذين يرتّبون أمورهم طاعةً لأوامر الله ~، مثل توزيع نِعَمه (بأمره). وقد ورد هذا في القرآن الكريم والسنّة النبويّة، وهو مستمدٌّ من الإيمان بالملائكة بوصفه ركنًا من أركان الإيمان. بل إنّ الله ~ وكّل ملائكةً بالأرحام (للعناية بالجنين القادم)، وملائكةً بالمطر، وملائكةً بالنبات، وملائكةً بالرياح، وملائكةً بالنجوم، وملائكةً بالجبال، وملائكةً بالسحاب الذي يحمل المطر إلى وجهةٍ بعينها. كما وكّل الله ~ لكلّ إنسانٍ أربعةَ ملائكة: كاتبَيْن، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، يسجّلان كلّ قولٍ وعملٍ له، وحافظَيْن، أحدهما أمامه والآخر خلفه. وعيّن ~ أيضًا ملائكةً لقبض روحه عند موته، وإعداد مسكنها الجديد في الجنّة أو في النار؛ وملائكةً لسؤاله وامتحانه في القبر، حيث يكون منعَّمًا أو معذَّبًا؛ وملائكةً لحشره إلى أرض المحشر إذا خرج من قبره؛ وملائكةً لعذابه في النار، أو لنعيمه في الجنّة. والملائكة جنودُ الله ~، ولفظ «الملَك» يعني الرسول المنفِّذ لأوامر الله ~. دون أن يكون لهم أي قرار في الأمر. فالأمر كله لله ~ وحده. والملائكة يقومون فقط بتنفيذ الأوامر الإلهية. قال الله ~ مخبرًا عنهم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]. وقال: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. وقد أقسم الله ~ بعدد من ملائكته الذين ينفذون أوامره، فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: 1-3]. وقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 1-6]. وقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: 1-5]. وكل تلك الحركات والأفعال هي عبادة الملائكة لله ~، فهي محبتهم لله التي تجعلهم ينفذون أوامره طوعًا، وهذه المحبة هي التي تجعل السماوات والأرض تسبّح ربها: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]. ٤- فَكُلُّ كَائِنٍ حَيٍّ أَوْ مُتَحَرِّكٍ لَهُ إِرَادَةٌ وَمَحَبَّةٌ وَعَمَلٌ، وَلَا تَكُونُ جَمِيعُ الأَجْزَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي هَذَا الْكَوْنِ نَافِعَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ حَرَكَاتُهَا وَمَحَبَّتُهَا مُكَرَّسَةً لِخَالِقِهَا وَحْدَهُ، كَمَا أَنَّ وُجُودَهَا ذَاتَهُ إِنَّمَا هُوَ بِإِبْدَاعِهِ الْخَاصِّ وَحْدَهُ. وَلِهَذَا قَالَ اللهُ ~: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: ٢٢]. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَهَانِ لَاخْتَلَّ نِظَامُهُ، لِأَنَّ كُلَّ إِلَهٍ يَسْعَى إِلَى التَّغَلُّبِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ إِهْلَاكِهِ، لِيَنْفَرِدَ بِأَنَّهُ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْوَحِيدُ؛ وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الأُلُوهِيَّةِ نَقْصٌ فِي كَمَالِ الإِلَهِ، وَالإِلَهُ لَا يَرْضَى بِالنَّقْصِ أَبَدًا؛ فَإِنْ أَهْلَكَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كَانَ هُوَ الإِلَهَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَعُدِ الْمَغْلُوبُ يُوصَفُ بِالأُلُوهِيَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَإِنَّ بِهِمَا نَقْصًا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِلَهٌ أَقْوَى مِنْهُمَا، وَإِلَّا فَسَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا خَلَقَهُ وَيَسْتَعْمِلُهُ لِلتَّغَلُّبِ عَلَى الآخَرِ. وَهَذَا الْوَضْعُ سَيُفْضِي إِلَى خَرَابِ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا يَخْرَبُ الْبَلَدُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مَلِكَانِ يَتَنَازَعَانِ عَلَى الْعَرْشِ! فَاسْتِقَامَةُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالنِّظَامُ الْمُحْكَمُ الَّذِي يُدَبِّرُ وُجُودَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ~ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَقَالَ اللهُ ~: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: ٩١]. (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)3
1 سورة المائدة، الآية 54. 2 سورة البقرة، الآية 165. 3 رواه البخاري في "كتاب الأيمان"، باب 8، ومسلم في "كتاب الأيمان"، حديث 69، والنسائي في "كتاب الأيمان"، باب 19، وأحمد في "مسنده" (3/177، 207، 275). 4 رواه البخاري. 1 سورة مريم، الآية 64. 2 سورة النجم، الآية 26. 1 سورة الصافات، الآيات 1-3. 2 سورة المرسلات، الآيات 1-6. 3 سورة النازعات، الآيات 1-5. 4 سورة الإسراء، الآية 44. 1 سورة الأنبياء، الآية 22. 1 سورة المؤمنون، الآية 91. 2 سورة الأنبياء، الآيات 21-23. 3 سورة الإسراء، الآية 42.
1 Surat Al-Ma'idah, Verse 54 . 2 Surat Al-Baqarah, Verse 165. 3 Recorded by Al-Bukhari in the " Book of Oaths", chapter 8, Mu slim in th e "Book of Oaths", Hadith 69, An-Nassai in the " Book of Oaths" , chapter 19 , Ahmad in his Mu snad(3! 177, 207, 275). 4 Recorded by Al-Bukhari . I Surat Maryam, Verse 64. 2 Surat An-N ajm, Verse 26. I Surat As-Saffat, Verses 1-3 2 Surat Al-Mursalat, Verse 1-6. 3 Surat An-Nazi'at, Verses 1-5 . 4 Surat Al-Isra ', Verse 44. 1 Surat Al-Anbiya ', Verse 22. I Surat Al-Mu'minun, Verses 91. 2 Surat Al-Anbiya ', Verses 21-23 . 3 Surat Al-Isra', Verse 42.