4.17 منهج الخليفة في رعاية شؤون الرعية
4.17 The Khaleefah’s method of looking after the subjects’ affairs
الخليفة له السلطة المطلقة في تدبير شؤون الرعية وفق اجتهاده ورأيه، إلا أنه ممنوع من مخالفة أي حكم من أحكام الشريعة تحت ذريعة المصلحة. فلا يجوز له، مثلًا، أن يمنع الرعية من استيراد البضائع بحجة حماية الصناعة المحلية، إلا إذا كان ذلك يضر فعلًا باقتصاد البلاد. ولا يجوز له كذلك أن يحدد الأسعار للناس بحجة منع الاستغلال. ولا يجوز له أن يجبر أصحاب العقارات على تأجير ممتلكاتهم بحجة تيسير السكن، إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة لذلك، أو أي سياسة أخرى تخالف أحكام الشريعة. فهو إذن ممنوع من تحريم ما هو مباح، أو إباحة ما هو حرام.
The Khaleefah has the absolute authority to manage the citizens’ affairs according to his own opinion and Ijtihad. However, He is forbidden from violating any Shari’ah rule under the pretext of benefit (Maslaha). For instance He cannot prevent the subjects from importing goods under the pretext of protecting the local industry unless it actually harms the economy of the country. He cannot also set prices for the people under the pretext of preventing exploitation. He also cannot force landlords to rent their properties under the pretext of easing housing, unless there was a pressing need for that, or any other policy that violates the Shari’ah rules. He is, therefore, forbidden from prohibiting a Mubah action, or allowing a Haram one.
هذا بسبب ما قاله رسول الله ﷺ
This is because of what the Messenger of Allah (pbuh) said:
قال ﷺ: «الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته». ومن أجل الأحكام التي وضعها الشرع للخليفة أيضاً: أنه يتصرف في أموال بيت المال وفق اجتهاده ورأيه، وأنه يُلزم الناس بالعمل برأي معيّن في مسألة بعينها، ونحو ذلك. وهذا الحديث يعطيه الحق في ممارسة سلطانه كاملاً دون أي قيد. فإدارة بيت المال، وتبنّي القوانين، وتنظيم القوات المسلحة وتدريبها، وتعيين الولاة، وغيرها من الصلاحيات الممنوحة للخليفة، كلها صلاحيات غير مقيّدة. وهذا يدل على أن الخليفة يرعى شؤون الرعية بما يراه مناسباً دون قيود، وأن طاعته في كل ما كان من ذلك واجبة، ومعصيته إثم. غير أن إدارة شؤون الرعية يجب أن تكون وفق أحكام الشرع، أي وفق نصوص الشريعة. فالصلاحيات، وإن كانت مطلقة، فإنها مقيّدة بالشرع وحده، أي بأن تكون وفق الأحكام الشرعية. فمثلاً، وإن كان للخليفة أن يعيّن الولاة كما يرى، إلا أنه لا يجوز له أن يعيّن كافراً أو صبياً أو امرأةً والياً، لأن الشرع حرّم ذلك. وله كذلك، على سبيل المثال، صلاحية السماح بفتح سفارات للدول الكافرة في الأراضي الخاضعة لسلطانه، وهذه الصلاحية غير مقيدة. لكن يكون من الخطأ أن يسمح بفتح سفارة لدولة كافرة تنوي اتخاذ السفارة أداةً لسيطرتها على بلاد المسلمين، لأن الشرع يحرّم ذلك. وله أيضاً، على سبيل المثال، حرية تامة في تحديد تفاصيل الميزانية والمبالغ اللازمة لكل باب. لكن لا يجوز له أن يقرّ مشروع بناء سد بينما إيرادات بيت المال لا تكفي لذلك، بحجة أنه يجبي الضرائب لبناء السد. وهذا لأن السد إذا لم يكن لا غنى عنه، فإنه يكون محرماً شرعاً فرض الضرائب لبنائه. وعليه فإن الشرع يُطلق يد الخليفة في إدارة شؤون الأمة بما يجيزه له الشرع. غير أن هذه الحرية في الإدارة تكون وفق أحكام الشرع. ثم إن امتلاك صلاحيات مطلقة في إدارة الحكم لا يعني أن للخليفة أن يسن من القوانين ما يشاء لإدارة شؤون الدولة، وإنما يعني أن ما يُترك لتصرفه يكون مباحاً له أن يتصرف فيه بحسب رأيه، على الوجه الذي يراه مناسباً. فله أن يتبنى الحكم في المسألة التي أُبيح له أن يتصرف فيها برأيه، وتصبح طاعته في هذا الحكم واجبة. وذلك لأن الشرع قد جعل له سلطة التصرف برأيه، وأمرنا بطاعته. وبذلك يكون له الحق في أن يتبنى ذلك الرأي ويسنه قانوناً يلتزم به الناس. فله مثلاً أن يدير بيت المال بحسب رأيه واجتهاده، والناس مأمورون بطاعته في ذلك. وله بالتالي الحق في سن قوانين بيت المال التي يجب أن تُطاع. وله أيضاً سلطة قيادة القوات المسلحة وإدارة شؤون الجيش، بحسب رأيه واجتهاده، والناس يجب عليهم طاعته في ذلك. فله الحق في سن قوانين لقيادة الجيش ولإدارته على هذا الأساس، وتصبح طاعة تلك القوانين ملزمة. وللخليفة الحق في إدارة شؤون الرعية بحسب رأيه واجتهاده، وفي تعيين من يتولون هذه الشؤون بحسب رأيه واجتهاده، والناس عليهم طاعته في ذلك. فله الحق في سن قوانين لإدارة الدوائر وأنظمة للموظفين. وعليه فإن هذه القوانين يجب أن تُطاع. لذلك، فإن كل ما يُترك للخليفة ليتصرف فيه بحسب رأيه واجتهاده، وهو من صلاحياته الواجبة، فله أن يتبنّى الأحكام ويُصدرها فيما يتعلق بتلك الأمور، والالتزام بهذه الأحكام واجب. ولا يصح الاستنتاج بأن جميع الأساليب مباحة في ذاتها لكل فرد يختار منها ما يشاء. ولذلك لا يجوز للخليفة أن يُعيّن أسلوبًا بعينه ويجعله واجبًا، لأن ذلك يُعدّ جعلًا للمباح واجبًا، إذ إن إلزام الناس بتنفيذ المباح يعادل جعله واجبًا، وجعلَ المباح حرامًا بمنع الأساليب الأخرى، وهو أمر غير جائز. ولا يصح هذا القول، لأن الأساليب وإن كانت مباحة في ذاتها، فإن أساليب إدارة بيت المال مباحة للخليفة وحده لا لغيره من الناس. وكذلك أساليب تسيير الجيش مباحة للخليفة وحده لا للناس. والأمر نفسه في تدبير شؤون رعايا الدولة، فهي مباحة للخليفة على وجه الخصوص لا لجميع الناس. فالالتزام بالمباح لا يجعل هذا المباح فرضًا، وإنما هو إلزام بالطاعة في الأمور التي أباح الشرع للخليفة أن يُصدر فيها الأحكام بحسب رأيه واجتهاده، أي فيما اختاره من رأي واجتهاد لإدارة الشؤون. وإن كان المباح أن يُلزم الخليفة بتنفيذه ويمنع غيره، فإنه يبقى مباحًا للخليفة أن يدير الشؤون وفقه، لأن إدارة الشؤون من واجبه، وليس مباحًا لجميع الناس أن يديروها. ولذلك فإن وجوب الالتزام بالمباحات التي يتبناها الخليفة لإدارة شؤون الناس فيما أعطاه الشرع صلاحية التصرف فيه باجتهاده ورأيه، لا يُعدّ جعلًا للمباح فرضًا ولا للمباح حرامًا. إنَّما هو إلزامُ الطاعةِ في الأمورِ التي أباحَ الشرعُ للخليفةِ أن يُنفِّذَها بحسَبِ رأيِه واجتهادِه، فكلُّ مباحٍ اختارَه الخليفةُ لإدارةِ الشؤونِ يصيرُ واجبًا على كلِّ مواطنٍ أن يلتزمَ به. وبناءً على ذلك وضعَ عمرُ بنُ الخطابِ الدواوينَ، وبناءً على ذلك سنَّ الخلفاءُ أنظمةً معيَّنةً لعمَّالِهم ولرعيَّتِهم، وألزموهم بالعملِ بتلك الأنظمةِ وتنفيذِها دونَ غيرِها. ولذلك يجوزُ للخليفةِ أن يُقرَّ الأنظمةَ الإداريةَ وجميعَ القوانينِ الأخرى من هذا النوعِ، وتكونُ طاعتُه في تلك الأنظمةِ واجبةً، لأنها طاعةٌ للخليفةِ فيما يأمرُ به في الأمورِ التي تدخلُ في الولايةِ التي منحَه إياها الشرعُ.
لكنّ هذا لا يتعلق إلا بالمباح المتعلق برعاية الشؤون، أي فيما يحق للخليفة أن يتصرف فيه بحسب رأيه واجتهاده، وذلك في أمور مثل تنظيم إدارة دوائر الدولة، وتنظيم القوات المسلحة، وغير ذلك من الأمور المماثلة. ولا يشمل كل الأمور المباحة، بل فقط ما أُبيح للخليفة من حيث كونه خليفةً. أما سائر الأحكام كالفرض والمندوب والمكروه والحرام والمباح المتعلق بجميع الناس، فإن الخليفة مقيّد فيها بأحكام الشرع، وممنوع منعًا باتًا من مخالفتها. فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال:
However, this only concerns the Mubah relating to looking after the affairs, namely in whatever matter the Khaleefah is allowed to conduct according to his own opinion and Ijtihad. This is in matters such as organising the administration of the state’s departments, the organising of the armed forces and other similar matters. It does not apply to all Mubah matters, but only in what has been made Mubah to the Khaleefah, in his capacity as a Khaleefah. As for the other rules like the Fard, Mandub, Makruh, Haram and Mubah which relate to all the people, the Khaleefah is restricted by the Shar’a rules regarding them, and He is absolutely forbidden from violating them. For Al-Bukhari and Muslim narrated from ‘Aiesha that the Messenger of Allah (pbuh) said:
"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ"، وَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ يَشْمَلُ الْخَلِيفَةَ وَغَيْرَهُ.
“Whoever inserted anything in this our matter (Deen) that is not part of it, it is rejected.” This is a general text that includes the Khaleefah and others.