42. العزيمة والرخصة (الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ)
42. The Determination And The Consession ( Al Azeema War Rukhsah)
العزيمةُ هي ما شُرِّع من الأحكام شرعًا عامًّا، ويُلزَم العباد به. والرخصةُ هي ما شُرِّع من الأحكام تخفيفًا للعزيمة لعذرٍ، دون أن يُلزَم العباد بالعمل بها، مع بقاء حكم العزيمة. مثال ذلك: الصوم عزيمة، والفطرُ للمريض رخصة. وغسلُ العضو في الوضوء عزيمة، ومسحُ الجبيرة أو الجرح رخصة. والصلاةُ قائمًا عزيمة، والجلوسُ فيها عند العجز رخصة، وما أشبه ذلك. فالعزيمة هي ما شُرِّع شرعًا عامًّا، وليست خاصةً ببعض المكلفين دون بعض، ولا تُخيِّر بين العمل بها أو بغيرها، بل توجب العمل بها وحدها. أما الرخصة فهي ما شُرِّع لعذرٍ طارئ، فيبقى حكمها ما بقي العذر، فإذا زال العذر لم يُعتبر، وهي خاصةٌ بالمكلفين الذين اتصفوا بهذا العذر. وعلى هذا فإن الحكم المستثنى من نصٍّ عامّ ليس رخصة، بل هو عزيمة، وكذلك الحكم الخاص ببعض الأحوال ليس رخصة، بل هو عزيمة، لأن هذه أحوالٌ لا أعذار. ومن أمثلة ذلك: أن عدة المرأة التي توفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها. فهذا الحكم مستثنى من القاعدة العامة، فليس برخصة. وكذلك البيع، فإن استوفى شروطه ولم يكن محرَّمًا فهو صحيح، وإن وقع البيع بالغبن الفاحش، وإن استوفى جميع شروطه ولم يكن محرَّمًا، فهو فاسد. لدى المشتري الخيار فيه (في الرد)، لكنه ليس رخصة. بيعُ ما لم يُقبض باطل، وبيعُ الحيوان الذي لم يُقبض صحيح، وليس ذلك رخصة. وعلى هذا فإن بيع السلم (دفع الثمن وتأجيل المبيع)، والعرايا (النخل الذي يُعطى للمحتاجين الذين لا يستطيعون الانتظار حتى ينضج، فيُسمح لهم ببيعه بالتمر)، والمساقاة (أن يُعطي الرجل عاملاً ليسقي الشجر ويقوم عليه بجزء معلوم من الثمر)، وما شاكلها من العقود، كلها عزيمة لا رخصة. وهكذا فإن جميع المباحات أحكام عزيمة لا تخفيفات. والمقصود من إلزام العباد بالعمل بها هو وفق الحكم، سواء كان واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو حرامًا أو مكروهًا. أفلا ترى أن أكل الميتة حرام، ولكن للمضطر يُباح، فهو رخصة، فالمعتبر هو العمل وفق الحكم، لا العمل نفسه. وأما قول النبي ﷺ في العرايا: «رخّص رسول الله ﷺ في بيع العرايا» الذي رواه مالك، فالمراد به المعنى اللغوي (لـ«رخّص»)، وهو أنه يسّر عليكم. وعلى نحو ذلك، فإن جميع العقود التي يسّرها الله تعالى على الناس أحكامُ عزيمة، لأنها ليست استثناءً من أصل محرّم لعذر، فلا يزول استثناؤها بزوال العذر، بل إنها شُرعت تيسيرًا على العباد، وتشريعها عام ودائم. وهناك فرق في حالة من لم يستطع القيام في الصلاة، أو كان يستطيع مع مشقة فيصلي جالساً، مع أنه يخالف أحد أركان الصلاة؛ فلا يجب عليه القيام، وذلك رخصة. أما حالة من يبيع الرُّطَب على رؤوس النخل بتمر مقدّر بثمن الرطب على رؤوس النخل ليطعم أهله، فهذه ليست رخصة، لأنها ليست استثناءً لعذر، بل هي حالة يجوز فيها بيع الرطب بالتمر، ومع أنها استثناء، إلا أنها لم تُشرَع لعذر حتى تُعدّ رخصة، وإنما شُرعت تيسيراً على الناس، فهي من تيسيرات الشريعة لا من أجل الأعذار، فليست رخصة. ولا بد أن تُبيَّن الرخصة بدليل شرعي حتى تُعدّ رخصة شرعية. فإن الحكم الذي شرعه الله تعالى لعذر، فالعذر هو السبب في اعتبار الحكم شرعياً. إلا أن الرخصة تُعدّ من الأسباب الشرعية، وهي من الأحكام الظرفية، وهي خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بحسب الحال، ولما كانت خطاب شارع فلا بد لها من دليل شرعي. فالعمى والعرج والمرض أعذار للقعود عن الجهاد، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17]، والسفر عذر لفطر رمضان، قال الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، والنسيان والخطأ والإكراه أعذار ترفع الإثم عمّن وقع في المحظور. قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه، والجهل فيما يُعذر فيه بعض الناس عذرٌ، لأن رسول الله ﷺ سمع معاوية بن الحكم يقول لرجل عطس أثناء الصلاة: يرحمك الله، فلما فرغوا من الصلاة علّمه رسول الله ﷺ أن الكلام في الصلاة يُبطلها، فقال له كما رواه مسلم: «إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، ولم يأمره بإعادة الصلاة. فهذه أعذار جاءت في الدليل الشرعي، فتُعتبر أعذارًا، وكل ما جاء في الأدلة من أعذار خاصة لأحكام خاصة يُعتبر عذرًا، وما لم يرد في الدليل فلا قيمة له ولا يُعتبر عذرًا شرعيًا أصلًا. وهذه الأعذار تُعتبر لذاتها، لا لأجل العلة الكامنة فيها، وذلك لأن الدليل الشرعي الذي دلّ على أنها أعذار لم يضع تعليلًا لاعتبارها أعذارًا، بل تركها دون علل، فلا نضع لها عللًا، لأن الشرع لم يضع لها عللًا، وجعل كل عذر منها عذرًا للحكم الذي جاء له، لا لغيره من الأحكام، فهو عذر خاص بالحكم الذي ورد فيه، لا عذر عام لكل حكم. لذلك كان العمى عذرًا في ترك الجهاد، لا عذرًا في ترك الصلاة. ثم إن هذه الأعذار: المرض، والعرج، والسفر، والنسيان، والإكراه، والخطأ، مع أنها أوصاف، إلا أنها نوع من الأوصاف لا يدل على أنها تصلح لبناء العلل (التعليل)، ولا تشير إلى دليل على التعليل؛ ولذلك لا نقيس عليها غيرها، ولا نبحث عن علة تجعلها سببًا يُحكم بها، أي سببًا يُعتبر علة لتطبيق حكم العلة عليه. فلا نقول إن السفر علة لما فيه من المشقة، بل السفر نفسه هو العلة، لأن الله تعالى جعله علة لا لأجل مشقته، أي إنها علة قاصرة. ولذلك يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة لمسافة القصر، ولو سافر بالطائرة، ولا يقصر فيما دون مسافة القصر ولو سافر في صحراء شديدة الحر، لأن المشقة ليست هي العذر الذي أجاز القصر، بل العذر الذي جعل الرخصة بقصر الصلاة هو السفر، لأنه سفر بغض النظر عن المشقة. وكذلك جميع الأعذار التي تصدر بسببها الرخص بنص الشريعة. هذا من حيث الحقيقة، أن الرخصة والعزيمة من جهة الشريعة. أما العمل بالرخصة أو بالعزيمة، فإن العمل بأيٍّ منهما مباح، فيجوز للمكلف أن يعمل بالرخصة أو بالعزيمة، لأن هذا ثابت في نصوص الرخص. قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. للهَ غفورٌ رحيمٌ) 173 سورة البقرة، فرفع الله تعالى الإثم عن الأكل، وهذا هو الإباحة، وغفر ذنب فعله، وهو الإباحة. قال تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا} 101 سورة النساء، ورفع الحرج يعني الإباحة. قال الله تعالى: {...فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر...} 185 سورة البقرة، وهذا هو الإباحة، فأدلة الرخص نفسها تفيد الإباحة في العمل بالرخصة، لا الوجوب ولا الندب. وروى مسلمٌ أيضًا عن حمزة بن عمرو أنه قال: يا رسول الله، إني أجد في نفسي قوةً على الصيام في السفر، فهل عليّ جناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ: «هي رخصةٌ من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». وعن أبي سعيدٍ أنه قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ، فكان الصائم يصوم، والمفطر يفطر، فلا يعيب بعضهم على بعضٍ» رواه مسلم. وتدل هذه النصوص صراحةً على أن الرخصة والعزيمة مباحتان، إذ خُيّر المكلف، فله أن يأخذ بأيهما شاء.